أدبيات وابداعات عربية للنساء والرجال (منتدى القلب)
ادب وفن وحياة


محبة كبيرة ..فكر عريق..حرية في الابداع..حرية الفكر
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» لأعراس الفلسطينية تراث متجدد في مخيمات الشتات\أحمد ديوان – مخيم البداوي
الأحد أغسطس 25, 2013 6:42 am من طرف ميرندا عبد الرحيم العلان

» زغاريد فلسطينية 4
الأحد أغسطس 25, 2013 6:33 am من طرف ميرندا عبد الرحيم العلان

» زغاريد فلسطينية 3
الأحد أغسطس 25, 2013 6:30 am من طرف ميرندا عبد الرحيم العلان

» زغاريد فلسطينية 2
الأحد أغسطس 25, 2013 6:12 am من طرف ميرندا عبد الرحيم العلان

» زغاريد فلسطينية...
الأحد أغسطس 25, 2013 6:10 am من طرف ميرندا عبد الرحيم العلان

» وفي نهاية الورقه / نقدم الاقتراحات \ خالد الطريفي
السبت يونيو 16, 2012 3:22 am من طرف ميرندا عبد الرحيم العلان

»  كل عام وانتم /بخير المسرحيون يريدون / والناس يريدون / الوزاره والحكومه ماذاتريد /خالد الطريفي
السبت يونيو 16, 2012 3:19 am من طرف ميرندا عبد الرحيم العلان

» المسرحيون بماذا يحلمون ؟! ..خالد الطريفي..
السبت يونيو 16, 2012 3:16 am من طرف ميرندا عبد الرحيم العلان

» خالد الطريفي..( المسرح بين المبنى والمعنى )
السبت يونيو 16, 2012 3:09 am من طرف ميرندا عبد الرحيم العلان

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الفهرس
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
pubarab
pubarab

شاطر | 
 

 ملامح من كتاب ( استنبول الي اثنيا)مروان العلان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ميرندا عبد الرحيم العلان
السكرتيرة
السكرتيرة
avatar

انثى
عدد الرسائل : 284
العمر : 48
الموقع : http://mirandaallan1969.ahlablog.com/index.htm
العمل/الترفيه : كاتبة..مغامرة..في كل شئ ..في سفر دائم مع الروح
تاريخ التسجيل : 20/10/2008

مُساهمةموضوع: ملامح من كتاب ( استنبول الي اثنيا)مروان العلان   الجمعة نوفمبر 13, 2009 12:21 pm

مروان العلان
من إستانبــــول إلى أثينــــــــا (1)



مشــاهدات رحالة
على دراجة هوائية

قام المؤلف بهذه الرحلة في الفترة من 10/8 - 28/8/1994






الإهـــــداء


إلى امرأة لم تعثر عليّ بعد..
هي الحرية بعينها
مروان






وكان من المفترض أن يصدر هذا الكتاب قبل سنة (1995) ضمن برنامج رابطة الكتاب الأردنيين إلا أن تعثّر برنامجها للطباعة حال دون إتمام الأمر، أو هكذا حاولوا إفهامي.


في نهاية الرحلة

- يا إلهي.. كم نحن قادرون على الصبر دون مبرر..كم نحن قادرون على تكرار أخطائنا!!
- كم تكون أنت، أنت، عندما تكون وحدك.. ولكن كم تكون وحدك حين تكون أنت، أنت..
- نحن لا نفعل طوال حياتنا، في بلادنا، شيئاً سوى أن نضطهد أنفسنا.. أو نسكت عن اضطهاد غيرنا لنا.
- يصبح همّنا أحياناً، أن نتحمّل صعوبات الحياة لنستمر فيها.. ولكن، لماذا؟
- رائع أن لا تكون خاسراً، ورائع أيضاً، أن لا يخسر غيرك.. ولكن ذلك لا يمكن أن يكون في حياة تنتهي دائماً، بالخسارة..
- لا أدري ما الذي يدفعنا للتمسك بأشياء، تخذلنا كل مرّة..!!

_________________
ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا.......تجاهلت حتى ظنّ أني جاهل
فوا عجبا كم يدّعي الفضل ناقص.......ووا أسفا كم يظهر النقص فاضل
وقال السّهي للشمس انت خفية.........وقال الدجى للصبح لونك حائل
فيا موت زر انّ الحياة ذميمة..........ويا نسل جدّي انّ دهرك هازل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ميرندا عبد الرحيم العلان
السكرتيرة
السكرتيرة
avatar

انثى
عدد الرسائل : 284
العمر : 48
الموقع : http://mirandaallan1969.ahlablog.com/index.htm
العمل/الترفيه : كاتبة..مغامرة..في كل شئ ..في سفر دائم مع الروح
تاريخ التسجيل : 20/10/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملامح من كتاب ( استنبول الي اثنيا)مروان العلان   الجمعة نوفمبر 13, 2009 12:22 pm

مروان العلان
من إستانبول إلى أثينا (2)
ما يشبه المقدّمة

أيها القارئ:
ينتابني الغضب كثيراً، حين أراك شبحاً خفياً تتسلل بين أفكاري وكلماتي، تحاول تسييل حروفي على منحدرات وعيك، وتحتج دائماً، حينما لا يتوافق ما تقرؤه لي مع ما تريده لنفسك.
أنت، وبشكل محدد، تريدني أن أكتب لك، لا عنك، وأن أكتب ما تراه، لا ما أراه، ولا تريدني أن أنكت رماد روحك باحثاً عن بقايا جمرة أو نافخاً في موقدك، لعلّ دفئاً ما يتحرك. تريد أن تبقى نائماً في حلم طويل طويل، ترضيك تهويماته وتمنحك إحساساً بالراحة وتكرّس رغبتك التي نشأت بعد انطفاء براءتك، في إبقاء الحال على ما هو عليه. وإذا كنت لم تشعر بعد بقسوة الصراع بينك وبيني، فسبب ذلك رغبتك في أن لا يتحول شعورك في تصاعده الى سلوك، يدخلك الى نشاط لا تريد القيام به، هل تدرك كم أنت كريهٌ إذن؟؟؟
تستطيع إذا شئت أن تلوي فمك على أحد الجانبين كأعلى احتجاج لديك على ما أكتب، وقد تلقي بالأوراق جانباً أو تنفعل أكثر فتمزّقها، ثم تشتم ما وسعك الشتم، فقد كنت أفعل مثلك هذه الأشياء، ولم يسلم مني سوى الكتب التي كنت أستعيرها حتى لا أضطر للاعتذار لأصحابها عن فعلتي بها.
إعلم أنني لا أشنّ عليك حرباً، ولا أهدف الى استفزازك للرد عليّ، وإنما أبذل جهدي لأكتب عنك من خلال معرفتي بك وبنفسي، ولست أدّعي أنني أعرفك أكثر منك، غير أن معرفتي بك لم تأت منك، لأنك لا تقدّمها كما هي، بل تحيطها بأغشية كثيفة من الزيف تحجب قدرتي على معرفتها، إنما تحصل معرفتي هذه من ذلك الإلحاح المتواصل على النبش في طبقات تراكمت عبر آلاف السنين على روحك.
وروحك، إذا كنت لا تعلم، هي روحي. والتراكم هو التراكم لدينا معاً، والموروث الذي استلبك هو ذات موروثي، وكل الفرق بيني وبينك، لا تعجب، هو تلك الرغبة الغريبة التي تشكلت لديّ، ولم تتشكل لديك بعد، في مقاومة حصار هذا التراكم ومحاولة تذويب جليد الموروث الذي يمنع أي دفء من الوصول، فكراً وسلوكاً.. أقاوم تذويت التراكم فقط. هذه الرغبة لم تنشأ لديّ بالصدفة، ولم تأتني هدية من مصدر معروف أو غير معروف، فمثل هذه الرغبات لا تهدى ولا تباع ولا تمنحها الآلهة للبشر، إنما فرضَتْها على وعيي محاولاتُ الكثيرين ممن كانوا يملكونها قبلي، وصبرهم الدؤوب على نبش روحي، تماماً كما أفعل أنا الآن، في رحلتي وكتابتي.. لقد نفخوا رماد موقد وعيي، وعندما رأوا شرارة تنطلق، ذهبوا.. فالنار عندما تبدأ، لا تتوقف..

أخبريني أيتها الروح
عن وميض بدا
في عينيْ نورسٍ..
مرّ لحظة من أمام القمر..
أخبريني .. أخبريني..
عن مدار قوسيّ في أعالي الأفق..
لا ينتهي مع استدارة السماء
عن حزمة ضوء طردتها النجمة المومئة
قبل مليون مليون عام ونيّف كثير..
والآن أراها..
عن حبة رمل سفتها الريحُ
عبر عصور لم تبتدئ في لحظة
لا تنتهي في ..
تسكن الآن شاطئاً وتطلق للريح ساقيها..
أخبريني عن النار
التي لا تنطفئ..
وهل تحرق الآتين مثلما ستقول أكذوبة قادمة..؟

تعرف ما الذي سيحدث لك حين تومض شرارة فيك..؟
في البداية، لن يكون هناك شيء كثير.
ستجد نفسك سابحاً في غبش ضبابي غامض الأبعاد، عصيّ الملامح، لا علاقة سابقة بينكما، لا تمنحك أشياؤه قدرة على الرؤية، لكنك ستحاول التركيز أكثر.. لترى..
ستصغّر فتحتيْ عينيك، وتلصق لحظة وعيك بلحظة رؤيتك. قد ترى، وقد لا ترى، لذا قد تواصل مدفوعاً بشعور خفيّ غامض، ورغبة مترجرجة في التواصل، لكنك ستلاحظ مساحة الصمت التي بدأت تزحف على صحارى ضياعك وغيابك.. أؤكد لك أن قرار الاستمرار سيكون قد اتخذ.. ربما يمرّ بمراحل من الصعود أو الهبوط، لكنه لا يمكن أن يُلغى على الإطلاق، إنه كالرصاصة إذا صدمها النابض، سيشتعل البارود في صندوقها، ويتكثف الغاز الدافع في مساحة صغيرة طالباً الخروج، وبأقصى ما لديه من قوة، وأقصر ما لدينا من زمن، سيدفعها. وحين تخرج من بوابة صندوقها المعدني، ستمرّ عبر اسطوانة البندقية في حركة لولبية تمنحها سرعة أعلى.. وما أن تتحرر من فوهة البندقية الى فضاء الإصابة سيكون من المستحيل وقفها، أوإعادتها، أو تغيير مسارها حتى تصل مداها أو تصطدم بحاجز لا تستطيع اختراقه فتسقط.. لقد صدم النابض رصاصة وعيك الغافية، في صدر يئنّ تحت ركام هائل، فأشعل بارودها المستكنّ في صندوقها المعدني الصغير، وها هو الآن، يتفاعل.. يخلق الاشتعال ويطلق غاز الدفع الجبّار..

لا أحد يعرف
ما الذي تفعله الرصاصة حين تنطلق..
لا أحد يعرف
كم نحتاج من الرصاص لكي نفكر..
لا أحد بالضبط يعرف
من صاحب السبابة التي تضغط الزناد..
لكننا جميعاً نعرف
أن الرصاصة قاتلة لا محالة..
كما الفكرة الصائبة..

من هنا ستجد في رحيلي الى بلاد لا أعرفها،ولا أعرف لغة أهلها ولا طباعهم، ولا أسلوبهم في الحياة، إجابة على تساؤل قد يدوس على طرف وعيك:
ما الذي يتحدث عنه هذا الرجل؟
لقد قررت الرحيل، لا كحركة في المكان، بل كحالة، في بلاد واسعة لا أعرفها، لأن طاقة الدفع الجبارة في رصاصة وعيي لم تعد قادرة على البقاء في ذات الدوّامة الزمكانية التي وُضعت فيها قبل أربعين عاماً..
ما زلت أتصفح وجوه المدن والمرافئ والناس، أطلق في هشيم السكون ناراً للحركة، لعلّ أمراً ما يحدث، سواء بالنسبة لي، أو لك أو لغيرنا.. هل ألخّص لك ما فعلته؟
ها هي الأسطر القادمة تحكي..
قطعة من رحلة كان فيها الكثير
وغاب الأكثر..

_________________
ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا.......تجاهلت حتى ظنّ أني جاهل
فوا عجبا كم يدّعي الفضل ناقص.......ووا أسفا كم يظهر النقص فاضل
وقال السّهي للشمس انت خفية.........وقال الدجى للصبح لونك حائل
فيا موت زر انّ الحياة ذميمة..........ويا نسل جدّي انّ دهرك هازل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ميرندا عبد الرحيم العلان
السكرتيرة
السكرتيرة
avatar

انثى
عدد الرسائل : 284
العمر : 48
الموقع : http://mirandaallan1969.ahlablog.com/index.htm
العمل/الترفيه : كاتبة..مغامرة..في كل شئ ..في سفر دائم مع الروح
تاريخ التسجيل : 20/10/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملامح من كتاب ( استنبول الي اثنيا)مروان العلان   الجمعة نوفمبر 13, 2009 12:24 pm

مروان العلان
من إستانبول إلى أثينا (3)
ما قبل إستانبول
نعم أريد أن أرحل
هذا هو قراري الأخير الذي طال انتظاري له.
لم يكن قرار اللحظة الموّارة بالانفعال. كما لم يكن قراراً بالفرار، كما سيحلو لبعض الأصدقاء أن يصفه.
الرحيل الذي أريده هو الخروج والتغيير، هو تهشيم الشرنقة، كسر الصَدَفة والخروج. لذا أريده خروجاً بما يعني لي هذا المصطلح. لم أحدّد المكان والزمان.. فالرحيل هو خروج عليهما، والنقطة الأعلى، التي يجب أن يصلها السهم، هي تجاوزهما.. حتى لا يبقى لأحدهما أثر ولا ظلّ أثرٍ على مدينتي القادمة..
يجلس مصطفى كمال أتاتورك في القصر السلطاني، بعد تحويله الى القصر الجمهوري، إثر الانقلاب التاريخي الذي أعلن سقوط الدولة الإسلامية، واستبدال منصب عمره ألف عام ونيّف.. إلغاء الخلافة الإسلامية، واستبدال نظام الحكم الديني السلطاني بنظام جمهوري علماني. يجلس على مكتبه في القصر، وقد أصبح في قمّة الهرم بعد تمزيق ما تبقى من الرجل المريض ودفنه. ينظر الى يمينه حيث الشرق الممتد من مضيق البوسفور حتى آخر جزيرة في إندونيسيا.. هذا الشرق بسحره وغموضه وتخلّفه، وزحف الاستعمار عليه، وبقاء ذكريات طموحة لامتداد الحكم العثماني حتى تلكم البقاع.. ثم ينظر الى يساره حيث الغرب الذي نشأ فيه وتعلّم.. وأوقفه على قدميه جنرالاً جاهزاً للتغيير..حيث العالم المتمدن الزاحف كالجراد نحو حكم العالم ، استعماراً واستعلاء، وسيطرة تحت شعارات لا تحصى..
يضرب قبضته على مكتبه ويصرخ فيمن حوله:
- الى الغرب أيها الأتراك، الى المستقبل القادم.. الشرق كان ماضينا.. والغرب هو مستقبلنا..
وانهمرت القرارات والأنظمة والقوانين، وأشرعت جرافة التغيير أنيابها، وأعملت في الأمس نهشاً وتمزيقاً..
أمسك مصطفى كمال بعربة تركيا، وأدار وجهها للغرب.. ولكز حصانها بمهمازه فانطلقت، ولكن..
كان قرار بشطب اللغة وكلماتها وحروفها.. شطب الانتماء إلا الى القومية الطورانية.. شطب مفهوم الأمة.. شطب الدين من مظاهرالحياة اليومية.. كان يصنع تركيا جديدة مختلفة..
كان يهدم ليبني..
توقفت في اللاذقية بعد مشوار متعب جداً على الدراجة من منطقة «أم الطيور» على الساحل السوري شمالاً، حيث كان مخيّمنا، نحن مجموعة الأصدقاء القادمين من مختلف محافظات سوريا، ولم يكن بينهم سواي من قطر آخر. كانوا قد تعوّدوا منذ زمن بعيد أن يلتقوا كل عام، ويخرجوا في رحلة تستمرّ أسبوعاً أو أسبوعين، يكتشفون فيها بلادهم، ويستمتعون بوقتهم، ولأنني تعرّفت على بعضهم فقد دعيت للمشاركة.
لم أستمرّ في المخيّم لأكثر من يومين، فقد حدث سوء فهم من البعض، اعتُبرت فيه غريباً عن المجموعة، فوجدت أنه لا مكان لي بينهم كواحد منهم، وفي فجر اليوم الثالث لوجودي استيقظت مبكراً جداً، وبدون أو أودّع أحداً أو يراني أي أحد، غادرت المخيّم. كانت نفسيتي متعبة، وروحي مشرعة للبكاء، لقد كنتُ أحسّ بغربة حادّة المذاق تدير الذهن إلى السواد، وجدت نفسي على شاطئ الحزن والتعب والاغتراب، وكأن كل الحديث عن الأمة الواحدة والشعب الواحد ليس سوى كلام في هواء الأنظمة العربية الفاسد، يستخدمونه للتنفس عندما يحيق بهم الاختناق. والمشكلة أن الناس، يعرفون هذا في الأنظمة، فلا يلتزمون إلا بما يريدونه موافقاً لمتطلبات حياتهم ومناسباً لما ألفوه واعتادوا عليه.
الطريق من «أم الطيور» إلى اللاذقية جبلي وعر، إلا أن ما يجعله سهلاً هو تلك الغابات التي تحفّ به على امتداده ما يجعله ممتعاً يجلو الروح ويخفف التعب، ولأن الأمر كذلك فإن نقاء الهواء هناك يملأ الرئتين، ويملأ الروح براحة خفية عميقة.
وصلت اللاذقية، وكنت تعرّضت لحادثة سير، حيث اقترب مني «ميكرو باص» عمومي، من التي تنقل الناس بين اللاذقية ومنتجعات الشمال. كان مسرعاً، وتجاوز سيارة على يساره، مما اضطره للاقتراب مني حتى التماس، فضرب جانب الحافلة طرف مقود الدراجة، فألقى بي على رصيف منحدر.
رضوض وخدوش لم تكن عميقة، لكن الدراجة أصيبت بضرر بالغ، مما اضطرني لقضاء وقت طويل في إصلاحها، لأكمل المسيرة إلى اللاذقية. السائق بالطبع لم يلتفت إليّ، واستمرّ في طريقه، ولربما أطلق قهقهة عالية، افتخاراً ببطولته وانتصاره في معركة التجاوز مع السيارة الأخرى.
ويل الناس من سائقي السيارات العمومية في الأردن وسوريا، تلك الشريحة التي ارتبطت سمعتها بالفوضى والأخلاق المنحطة، وحرف (الشين) ذي الدلالات السيئة بين الناس.
في مكتب السفريات في شارع أوغاريت، حجزت تذكرة سفر في الباص إلى استانبول.. لم أشأ الوقوف للتفكير، لأن التفكير مدعاة للتردد، الذي هو مدعاة للتراجع.. يعجبني في السوريين التصاقهم بالحضارة القديمة التي عمرت بلادهم، كأول حضارات الوجود الإنساني. ويكاد كل سوريّ منهم أن يعتبر نفسه واحداً من تلك السلالات القديمة، فهو آرامي، وفينيقي، وهو الذي سكن أوغاريت، وإيبلا، وربما يعتبر أن «عشتار» أو «أشيرة» أو «أنات» عمّته أو خالته، أو جدّته. لذا تراهم يسمّون الشوارع بأسماء من التاريخ القديم، وقد اكتشفت فيما بعد، أن هناك معركة فكرية تدور رحاها حامية الوطيس، بين فكر ديني نشأ في سوريا وعلى تخومها، وهبّ عليها بعض من نسائمه من دول مجاورة، وفكر علماني يحتمي بالتاريخ والنظام في مواجهة خصمه، وأن الاحتماء بالتاريخ، والنبش في طواياه الموغلة في الماضي السحيق، هي واحدة من أهم أسلحة المعركة، إنه البحث عن هويّة أراد الفكر الديني أن يقصيها لتكريس هويّته، التي دخلت المنطقة في مرحلة لاحقة. ومن هنا كذلك، أدركت المغزى العميق لدعم كتب المفكرين السوريين أمثال فراس السوّاح وأحمد داود، حتى كتابات أنطون سعادة كانت تلقى دعماً وتأييداً وإقبالاً.
قضيت نهاري في اللاذقية، لأن موعد إقلاع الحافلة إلى انطاكية كان مساء، مررت بالشوارع، وكأنني ألقي النظرة الأخيرة عليها، وأمرّ بها المرور الأخير، وقد كنت قد اتخذت قراراً عابراً بيني وبين ذاتي أن سوريا تحتضنني، بجناحيّ التاريخ والجغرافيا، لكنها لا تدخلني حباً وعشقاً.. لقد غادرتني مشاعر حميمة، وتركتني على شاطئ الفراغ العاطفيّ، لذا فأنا أغادر بخروجي من اللاذقية جغرافيا المشاعر، مع بقائي منتمياً لجغرافيا المكان والتاريخ.
كنت أومن بأن سوريا هي الأم، وما الأقطار الأخرى سوى أبناء لها انتزعوا منها، وسُلّموا عبر الاستعمار لأمهات، أو آباء آخرين، وأدركت في لحظة غامرة، وأنا تتداعى في رأسي أفكار بعيدة، أن ما يجري في هذه المنطقة أكبر بكثير مما تعلمناه في مدارسنا، بل ومما قرأنا عنه لدى بعض الكتّاب الذي يغرقون في حضن التجزئة، ويتحدثون عن الوطن «القُطر»، بصفته بديلاً عن الوطن «الأم»، لهذا قررت أن أقرأ من جديد تاريخ المنطقة، في محاولة مني لمعرفة ذاتي وما حولي، ولذا لا بدّ من قراءة تلك الكتب الجديدة.
انطلقت الحافلة عبر الطريق الذي جئت منه، ثم انعطف شمالاً في طريق «كَسَب»، ذاك المنتجع الساحر في أقصى الشمال السوري، وحينها تذكرت أن حقيبة أخرى لي بقيت في مكتب السفريات، وهي الحقيبة التي تحتوي معظم الحاجات اللازمة للحركة اليومية، كأسطوانة الغاز الصغيرة، وأدوات تصليح الدراجة وقطع غيارها، الصابون والمنشفة وليفة الحمّام وبعض ملابسي الداخلية وإبريق القهوة.. وهكذا وجدت نفسي بنصف أغراضي.
وضعي النفسي، وفقدان أغراضي أصابا قدرتي على رؤية الأشياء، كما أريدها، بالشلل.. لم أستطع التقاط مشاهد في الطريق، فالغروب بدأ يلقي ظلاله على المنطقة، وأعتمت الأشياء أمام عيني، وانزلقتُ إلى داخلي أستعيد ما مرّ بي خلال الأيام القليلة، ولأجد نفسي أعود أبعد في الزمان، وأسترجع ماضيّ المكتظ بالأحداث والمتغيّرات والانتقالات الفكرية والسياسية، وأستعيد مشاهد الحب والحرب، الحياة والموت، الكتابة والفن، الذكريات واللقاءات لأكتشف دمعة ساخنة كانت تنساب على وجهي، وآهةٍ تنسرب من أعماقي إلى الأعالي.. تذكرت أبا العلاء المعرّي قائلاً:



تعبٌ كلها الحياةُ فما * * * * أعجبُ إلا من راغب في ازديادِ



على الحدود التركية التي وصلتها في وقت أسرع مما توقّعت، ازداد الإحساس بالقرف في داخلي نتيجة معاملة جنود الحدود الأتراك، الذين ما أن تمرّ بأحدهم حتى يطلب منك «البقشيش»، أي رشوة، ليسمح لك أن تمرّ.. وأنت غير قادر على مناقشتهم، فلا الحالة، ولا اللغة، ولا الموقع الذي أنت فيه، أو الذي هم فيه يسمح بالمناقشة.. تدفع لهم ما يجود به القرف الغامر والاشمئزاز المتمادي، وتعود إلى ذهنك تلك الحوارات حول السلطة واستغلال الموقع الوظيفي من قبل جنود، تعتقد أنهم مضطرون لممارسة هذا النوع من الارتزاق غير القانوني، والذي تشترك فيه كافة شرائح المؤسسة الواقفة على الحدود في تواطؤ خفي عنك، معلن فيما بينهم. وتدرك في لحظتك أن هؤلاء يفعلون ذلك لأنهم لا يكفيهم ما تقدّمه لهم المؤسسة الأمنية التي يعملون فيها، لكن نظرة أعمق للأمور تضعك أمام حقيقة مرعبة.. شاملة.. هي أن النظام الرأسمالي في دول العالم الثالث ليس نظاماً اقتصادياً هدفه الناس وسعادتهم، أو حتى مجرد الاكتفاء والرضى في حياتهم، بل هو نظام للنهب والسيطرة على مقدرات البلاد، وليقم كل موظف تابع بنفس الأسلوب، حسبما يسمح له بذلك موقعه في هذه المؤسسة أو تلك.
يغمرني من جديد إحساس بالألم العميق.. إنها البشرية في مراحل القسوة والألم وقانون الغاب.

_________________
ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا.......تجاهلت حتى ظنّ أني جاهل
فوا عجبا كم يدّعي الفضل ناقص.......ووا أسفا كم يظهر النقص فاضل
وقال السّهي للشمس انت خفية.........وقال الدجى للصبح لونك حائل
فيا موت زر انّ الحياة ذميمة..........ويا نسل جدّي انّ دهرك هازل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
ملامح من كتاب ( استنبول الي اثنيا)مروان العلان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أدبيات وابداعات عربية للنساء والرجال (منتدى القلب) :: الشعر :: أدبيات فنية :: أدب الرحلات-
انتقل الى: